الغزالي

63

إحياء علوم الدين

وانما الذي ذكرناه في النهي عن المبالغة ، أردنا به أن القلب الصافي المعتدل هو الذي لا يجد حزازة في مثل تلك الأمور . فإن مال قلب موسوس عن الاعتدال ، ووجد الحزازة فأقدم مع ما يجد في قلبه ، فذلك يضره . لأنه مأخوذ في حق نفسه بينه وبين الله تعالى بفتوى قلبه . وكذلك يشدد على الموسوس في الطهارة ونية الصلاة . فإنه إذا غلب على قلبه أن الماء لم يصل إلى جميع أجزائه بثلاث مرات ، لغلبة الوسوسة عليه ، فيجب عليه أن يستعمل الرابعة وصار ذلك حكما في حقه ، وإن كان مخطئا في نفسه . أولئك قوم شددوا فشدد الله عليهم ولذلك شدد على قوم موسى عليه السلام ، لما استقصوا في السؤال عن البقرة . ولو أخذوا أولا بعموم لفظ البقرة ، وكل ما ينطق عليه الاسم ، لأجزأهم ذلك . فلا تغفل عن هذه الدقائق التي رددناها نفيا وإثباتا ، فإن من لا يطلع على كنه الكلام ولا يحيط بمجامعه يوشك أن يزل في درك مقاصده . وأما المعصية في العوض فله أيضا درجات : الدرجة العليا : التي تشتد الكراهة فيها ، أن يشترى شيئا في الذمة ، ويقضى ثمنه من غصب أو مال حرام . فينظر ، فإن سلم إليه البائع الطعام قبل قبض الثمن بطيب قلبه ، فأكله قبل قضاء الثمن ، فهو حلال ، وتركه ليس بواجب بالإجماع ، أعنى قبل قضاء الثمن . ولا هو أيضا من الورع المؤكد . فإن قضى الثمن بعد الأكل من الحرام ، فكأنه لم يقض الثمن . ولو لم يقضه أصلا ، لكان متقلدا للمظلمة بترك ذمته مرتهنة بالدين ، ولا ينقلب ذلك حراما . فإن قضى الثمن من الحرام ، وأبرأه البائع مع العلم بأنه حرام ، فقد برئت ذمته . ولم يبق عليه إلا مظلمة تصرفه في الدراهم الحرام بصرفها إلى البائع . وإن أبرأه على ظن أن الثمن حلال ، فلا تحصل البراءة ، لأنه يبرئه مما أخذه إبراء استيفاء ، ولا يصلح ذلك للايفاء . هذا حكم المشتري والأكل منه وحكم الذمة وإن لم يسلم إليه بطيب قلب ، ولكن أخذه ، فأكله حرام ، سواء أكله قبل توفية الثمن من الحرام أو بعده . لأن الذي تومئ الفتوى به ثبوت حق الحبس للبائع ، حتى يتعين ملكه بإقباض النقد ، كما تعين ملك المشتري . وإنما يبطل حق حبسه ، اما بالإبراء أو الاستيفاء ، ولم يجر شيء منهما . ولكنه أكل ملك نفسه ، وهو عاص به عصيان الراهن